للانتقال الى موقعنا الجديد يرجى الضغط هنا

المتبرعون الجدد
د ابراهيم الحيدري

أولئك الذين يحرصون على إخفاء صدقاتهم وعدم الكشف عن هويتهم أثناء التبرع للمنظمات الخيرية، سوف يستمرون ولا شك، ولكن جيلاً من المتبرعين يزداد انتشارهم ينظرون إلى عملية التبرع من زاوية مختلفة عن تلك الزاوية التي ينظر منها الأخفياء؛ فالأخفياء قد يرون في سؤالهم عن مصير تبرعاتهم وكيفية تعامل المنظمة الخيرية معها مدخلاً لجرح إخلاصهم؛ ولذا فهم لا يسألون حتى ولو بلغت صدقاتهم مئات الآلاف، وتنتهي مهمة هؤلاء عادة باستلام المنظمة الخيرية لصدقاتهم. 
بينما الجيل الجديد يرى أن مهمته تبدأ قَبْلَ وأثناءَ وبعدَ أن تستلم المنظمة الخيرية تبرعاتهم، وهم حريصون على معرفة كفاءة المنظمة الخيرية وقدرتِها على ترجمة رغباتهم الخيرية إلى مشاريع وبرامج ذاتِ أثر وقيمة. 
وهذا الصنف بعكس الصنف الأول؛ لا تحركه العواطف فقط عند التعامل مع المشاريع الخيرية التي تتطلب دعماً؛ بل بالإضافة إلى العواطف يعطي المتبرعون الجدد مزيداً من المنطق والعقل عند ممارسة عملية التبرع؛ ولذا فإن لغة الاستعطاف التي قد يستعملها جامع التبرعات لا تؤثر كثيراً فيهم بِقَدْر ما تؤثر عوامل أخرى؛ مثل كفاءة المنظمة، وشفافية القائمين عليها، وطبيعة التأثير المرجوِّ من برامجها. 
إنهم بهذا الأسلوب أقرب إلى المستثمر منه إلى الداعم أو المتصدق الذي يرى في المنظمة الخيرية شريكاً أو وكيلاً عنهم ووسيلة لتحقيق أهدافهم في الحياة الدنيا وغاياتهم في الحياة الآخرة. 
إن المؤسسات الخيريةَ المانحةَ، وشبابَ الأعمال والمتخصصين وغيرَهم أمثلةٌ محتمَلةٌ لنوع المتبرع المستثمر، وهم وإن بدا أنهم أبطأ في الاقتناع وأحوج إلى التفصيلات، إلا أنهـم أقـرب للالتـزام وأكثـر سـخاءً لدعـم المنظمـة إذا ما أثبتت تجاربهم بأن المنظمة الخيرية التي تعاملوا معها هي الشريك الأنسب لاستثماراتهم الخيرية. 
ماذا يعني هذا بالنسبة للمنظمات الخيرية؟ 
لا شك أن انتشار ظاهرة المتبرع المستثمر تحمل في طياتها تحديات كثيرةً، وتتطلب تغييرات عديدةً تنال أجزاء كثيرة في المنظمة الخيرية وآلية عملها، ابتداءً من تصميم البرامج والمشاريع، وصياغة الموادِّ الإعلامية والتسويقية، مروراً بإثبات بنائها المؤسسي واحترافيتها الإدارية وشفافيتها المالية، وانتهاءً بشخصية قادة المنظمة وجامعي التبرعات لها ومدى إيمانهم برسالة المنظمة ومهنيَّتهم في أداء أعمالهم. وقبل ذلك وبعده أن يقتنع قادة المنظمة الخيرية والعاملين فيها بأن المتبرعين هم فعلاً مستثمرون يبحثون عن شريك.